الشيخ محمد النهاوندي
54
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فعلوا بصحيفتي ، ولقد قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سبعين سورة ، وكان زيد بن ثابت في صلب أبيه الكافر - أو قال : - كان يلعب مع الصّبيان « 1 » . الطرفة السابعة في أنّ ترتيب سور القرآن وآياته كان بأمر اللّه ووحيه لا ريب في أنّ لآيات الكتاب العزيزة وسوره ترتيبا مرضيّا عند اللّه ، ثابتا في اللّوح المحفوظ ، منزّلا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بواسطة جبرئيل عليه السّلام ، لأنّ حسن الترتيب والنظم ممّا له مدخل تامّ في حسن الكتاب ، وفي القرآن المجيد الذي هو أحسن الكتب ، ومطالبه أحسن الحديث ، والعلوم المنطوية فيه أشرف العلوم وأعلاها ، وبيانه في الفصاحة والبلاغة فوق طوق البشر ، لا بدّ من أن يكون ترتيبه على أحسن الوجوه ، ونظمه أحسن النظام ، بل قال بعض العلماء : إنّ حسن نظم آيات القرآن وسوره من وجوه إعجازه ، ومن بدائع أسلوبه ، وعلى هذا لا بدّ أن يكون نظمه وترتيبه من قبل اللّه تعالى ، ولا يكون من البشر ، ويؤيد ذلك أنّ اللّه تعالى أضاف الكتاب الكريم إلى ذاته المقدّسة . ومن الواضح أنّ الكتاب اسم لمجموع المطالب المرتّبة المنظّمة ، فإذا ألّف أحد الأحاديث النبوية وبوّبها ورتّبها في دفتر ، أو جمع شخص خطب أمير المؤمنين عليه السّلام في ديوان ، منضّما ومرتّبا ، لا ينسب ذلك الدفتر والديوان إلى النبيّ ، وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما ، بل يضاف إلى المؤلّف والجامع ، وعلى هذا يدلّ إطلاق كتاب اللّه في الآيات الكريمة ، والروايات المتواترة على هذه المجموعة المرتّبة المنظّمة ، على أنّ علومها وعباداتها ونظمها وترتيبها وتأليفها من اللّه تعالى ، لا شريك له فيها من خلقه . ويدلّ على ذلك ما روي عن عثمان بن أبي العاص ، قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذ شخص ببصره ثمّ صوّبه ، ثمّ قال : أتاني جبرئيل ، فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى « 2 » إلى آخرها « 3 » .
--> ( 1 ) . مستدرك الحاكم 2 : 228 . ( 2 ) . النحل : 16 / 90 . ( 3 ) . مسند أحمد 4 : 218 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 212 .